الشيخ محمد رشيد رضا
130
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
( رض ) أنه قال اتيت رسول اللّه ( ص ) فقال « جئت تسأل عن البر » وفي رواية « جئت تسأل عن البر والاثم » قلت نعم - وكان قد جاء لأجل ذلك فأخبره النبي ( ص ) بما في نفسه واجابه عنه - فقال « استفت قلبك ، البر ما اطمأنت اليه النفس واطمأن اليه القلب ، والاثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر ، وان أفتاك الناس وأفتوك » وليس هذا تفسيرا للبر والإثم بالمعنى الشرعي ولا اللغوي وانما هو بيان لما يطلبه السائل من الفرقان بين ما يشتبه من البر والاثم فيشك الا لسان هل هو منهما أم لا ، فأحاله ( ص ) في ذلك على ضميره ووجدانه وأرشده إلى الاخذ بالاحتياط الذي تسكن اليه النفس ، ويطمئن به القلب ، وان خالف فتوى المفتين الذين يراعون الظواهر دون دقائق الاحتياط الخفية . وكان ( ص ) يجيب كل سائل بحسب حالته كان الصحابة وسائر العرب يفهمون معنى البر وانما كان القرآن والنبي ( ص ) يبينان لهم خصال البر وأعماله وآياته ، وما قد يغلطون في عده منه ، ولذلك قال اللّه تعالى ( 2 : 189 وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِها وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى ) وكانوا في الجاهلية يأتون البيوت من ظهورها إذا كانوا محرمين بالحج ويعدون هذا من النسك والبر . وقال تعالى ( 2 : 175 لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ ، وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ ، وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ ، وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا ، وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ، أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ) فهذا بيان لأهم أركان البر في الدين من الايمان والعبادات البدنية والمالية والاخلاق . وقال تعالى ( وَتَناجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوى ) فمجموع ما ورد في البر مصداق لما فسره به الراغب من أنه التوسع في فعل الخير إذا أريد به ما يشمل الافعال النفسية والاخلاق الحسنة باعتبار ما ينشأ عنها من الاعمال . وقد قال إنه مشتق من البر بالفتح - الذي هو مقابل البحر - بتصور سعته . والا قلنا إن البر اسم لمجموع ما يتقرب به إلى اللّه تعالى من الايمان والاخلاق والآداب والاعمال ، وكل واحد منها بعد خصلة أو شعبة من البر